ابن رضوان المالقي
25
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
الرحمن بن خلدون . وقد قلنا من قبل إن الرجلين قد تقابلا في تونس في بلاط أبي الحسن المريني . ويذكر ابن خلدون في نص أوردناه من قبل « وصحبته ، واغتبطت به . وان لم اتخذه شيخا لمقاربة السن ، فقد أفدت منه ، كما أفدت منهم « 36 » » وفارق السن هنا هو 14 عاما . فقد ولد ابن رضوان عام 718 ه وولد ابن خلدون عام 732 ه . وحينما وصل ابن رضوان إلى تونس في صحبة أبي الحسن المريني كان سنه ثلاثين عاما ، بينما كان سن ابن خلدون ستة عشر عاما . ألم يكن يكفي هذا الفارق بين فتى يافع وشاب مكتمل أن يكون أحدهما تلميذا والآخر شيخا له . وكثير من علماء المسلمين جلسوا للاقراء وللافتاء وهم في أقل من هذا السن ، وتتلمذ عليهم علماء أفاضل أقروا بتلمذتهم عليهم . فما ذا كانت غاية ابن خلدون من انكاره التلمذة عليه ؟ ، هل هي غبطة وحسد يخفيان حقده على كل من يقف في طريق تطلعاته وأوهامه في سبيل الحصول على المنصب الكبير . وبلا شك أن آمال ابن خلدون كلها انما كانت في أذيال البلاط المريني ، لم يكن أبدا يتطلع إلى بني عبد الواد بتلمسان ، ولا إلى الحفصيين بتونس ، ان مثله كمثل ابن الخطيب تماما : عابد منصب ، وعاشق أضواء . والضوء الكبير لدى بني مرين ، على أن يعد العدة ويدبر الأمر ، أن يعود إلى تلمسان أو بجاية أو إفريقية ، إذا فشل مع المرينيين . وكان يتطلع دائما إلى منصب كاتب العلامة الذي كان يشغله عبد المهيمن ، ويقوم بالنيابة عنه ابن رضوان ، وذلك أثناء إقامة أبي الحسن بتونس . وينحسر المد المريني عن إفريقية . وفشل ابن خلدون في وظيفته ككاتب العلامة للسلطان أبي يحيى بتونس ، وعزم على اللحاق بالمرينيين بالمغرب ، باحثا ، مؤملا في الوظيفة الكبرى في نظره حينئذ ، كاتب العلامة ، ثم الوزارة وهو يؤرخ لهذا بقوله : « فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب ، وانحسر تيارهم عن إفريقية ، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ ، فاعتزمت على اللحاق بهم وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد ، رحمه اللّه ، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة ، سارعت إلى الإجابة » « 37 » والمشكلة : من الذي دعاه إلى بلاط أبي عنان ؟ ومن ذا الذي يذكر هذا الشاب الصغير في تونس ؟ ، والمغرب مليء بالعلماء والكتاب انه لا يبين بل يقول : إن السلطان أبا عنان رجع إلى فاس » وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه ، وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس ، فأخبره الذين
--> ( 36 ) ابن خلدون : التعريف ص 23 ( 37 ) ابن خلدون : التعريف ص 56